الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
120
نفحات القرآن
اعتيادية تجاه الشرك ، غير أنّ الدليل على ذلك ليس واضحاً للكثير ، ويمكن تقديم أربعة أدلّة أساسية على هذه الحساسية والاهتمام بقضيّة التوحيد والشرك المصيرية : 1 - التوحيد هو الأساس لمعرفة صفات اللَّه ولا يمكن إدراك الصفات دون ملاحظة أصل التوحيد ، لأنّ وحدانيته - كما سيأتي توضيحها - تنشأ من لا محدوديته ، والوجود جامع لكلّ الكمالات وخالٍ من كلّ عيب ونقص ، والحقيقة أنّنا لو عرفناه بتوحيده الحقيقي فسوف نعرف صفاته كلّها ، بَيدَ أنّ الإعتقاد بالشرك هو الذي يصدّنا عن ذلك . 2 - فروع التوحيد تبلغ عالم الوجود ذات اللَّه المقدّسة ، حيث أنّ عالم الوجود واحد وهو متّصل الأجزاء وتحتاج معرفته الصحيحة إلى دراسة أجزائه مجتمعة ، ولو تصوّرنا موجودات العالم كوجودات متفرّقة فإنّا سوف نخطىء كثيراً في معرفة العالم وإذا سألنا أنفسنا : من أين تلقّينا هذا الدرس ، وهو أنّ عالم الوجود كتلة واحدة ؟ الجواب : من وحدانية اللَّه ، لأنّ وحدة اللَّه دليل على وحدة العالم ، ووحدة العالم دليل على وحدته تعالى : « مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ » . ( الملك / 3 ) 3 - إنّ أهمّ العناصر التي تبعث على تطوّر العالم الإنساني وتكامله هو وحدة المجتمع البشري ، فالاختلاف والتفرّق - كان وسيبقى - هو العامل على الدمار والضعف والتخلّف ، في حين يشكل الإتّحاد والوحدة الحجر الأساس للقوّة والإقتدار والعمران والبناء . إنّ الإيمان باللَّه بمثابة حلقة الوصل التي تؤلّف بين الملايين من البشر وتزيل الفوارق العنصرية والجغرافية والقومية واللغوية . إنّ سبب الانحراف عن أصل التوحيد والإيمان جَعَل كلّ قبيلة عربية في زمن الجاهلية تعبد صنماً يختلف عن أصنام القبائل الأخرى وهم في غاية الضعف والانحطاط ، فجاء الإسلام وحطّم الأصنام وربط القلوب بحبل التوحيد في فترة قصيرة وصنع منها مجتمعاً قويّاً ومتطوراً ذا حكومة امتدّت لتشمل العالم فضلًا عن الجزيرة العربية . 4 - التربية على الأخلاق والقيم الإنسانية تتوفّر في ظلّ التوحيد أيضاً لأنّ الأساس في